
بعيدًا عن أسماء الحكومات، وعن المواقف السياسية التي تتبدل بتبدل الأزمنة والظروف، يظل السؤال قائمًا في ذاته: هل يمنع الشرع المرأة من أن تتولى رئاسة الحكومة؟
يستدل بعض الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، ويجعلونه نصًّا عامًا يشمل كل امرأة تتولى أي مسؤولية سياسية في كل زمان ومكان. غير أن التأمل في سياق الحديث يفتح بابًا آخر للفهم؛ فالحديث ورد حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، فجاءت العبارة مرتبطة بواقعة محددة وسياق تاريخي معلوم، وهذا ما أخذ به عدد من العلماء المعاصرين، فرأوا أن الحديث وارد في واقعة عين، ولا يلزم من ذلك تعميمه على كل صورة من صور الولاية في كل عصر.
والأمر هنا يحتاج إلى شيء من الإنصاف العلمي؛ فليس هذا الفهم محل اتفاق بين العلماء، إذ ذهب آخرون إلى أن لفظ الحديث عام، وأن سببه الخاص لا يمنع عموم دلالته، ولذلك فالمسألة فقهية خلافية، ولا يصح أن تُعرض وكأن العلماء جميعًا قد اتفقوا على تفسير واحد لها.
لكن اللافت أن القرآن الكريم نفسه عرض لنا نموذج امرأة تملك قومها، هي ملكة سبأ، فقال الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ولم يرد عرض قصتها في القرآن بوصفها مجرد صورة للمرأة التي تجلس على عرش، فقد عرض القرآن من مواقفها السياسية أنها استشارت قومها، ولم تستبد برأيها، ثم قالت بعد ذلك: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾. ثم انتهت قصتها إلى الإيمان بالله، فقالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة: القرآن لم يقل إن كونها امرأة هو سبب صلاح ملكها، ولم يجعل الأنوثة معيارًا للحكم على كفاءتها، وإنما قصّ علينا نموذجًا لملكة تدير شؤون قومها، وتتشاور، وتزن العواقب، وتتخذ قرارها بعد نظر وتأمل، ومن ثم يمكن أن تُقرأ قصتها باعتبارها جزءًا من النقاش القرآني حول الحكم والتدبير والشورى، لا باعتبارها نصًّا فقهيًّا صريحًا يقرر حكم رئاسة الحكومة للمرأة.
ثم إن التاريخ الإسلامي نفسه عرف نساءً شاركن في مجالات العلم والتربية والشأن العام، ومن أشهر ما يذكر في هذا الباب الصحابية الشفاء بنت عبد الله، التي وصفها ابن حجر بأنها من عقلاء النساء وفضائلهن، وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق.
غير أن نسبة تولية الشفاء على السوق نفسها ليست محل اتفاق في ثبوتها؛ فقد نقلت مصادر أخرى مناقشة لهذا الخبر، ولذلك ينبغي عند الاستدلال بها أن يقال: «رُوي أن عمر ولاها شيئًا من أمر السوق»، لا أن تُعرض الواقعة باعتبارها حقيقة تاريخية قطعية لا خلاف فيها.
وهكذا فإن النقاش الهادئ لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين من يحترم الحديث ومن يرفضه؛ فالحديث صحيح الإسناد عند أهل الحديث، فالخلاف في مدى دلالته: هل هو خبر عن واقعة بعينها وسياقها، أم حكم عام يتجاوز تلك الواقعة؟ وهذه مسألة تحتاج إلى علم بأصول الفقه، وبالسياق التاريخي، وبمجموع النصوص، لا إلى اقتطاع جملة من حديث ثم بناء موقف كامل عليها.
أما رئاسة الحكومة في صورتها المعاصرة، فهي ليست بالضرورة مطابقة لمفهوم الخلافة أو الإمامة العظمى في كتب الفقه القديمة؛ فهي في كثير من الأنظمة وظيفة دستورية محددة الصلاحيات، تخضع للقانون والمؤسسات والرقابة وتعمل ضمن منظومة سياسية كاملة. و يصبح من الضروري قبل تنزيل الأحكام القديمة على المؤسسات الحديثة أن نفهم طبيعة المنصب نفسه، وما الذي يدخل فيه من صلاحيات، وما الذي يختلف فيه عن صور الولاية التي عرفها الفقهاء قديمًا.
وبناء عليه لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل هي امرأة؟» ثم ننتهي إلى الحكم، فينبغي أن يكون البحث أكثر عمقًا: ما طبيعة المنصب؟ وما حدود صلاحياته؟ وما النصوص المتعلقة به؟ وما دلالة هذه النصوص؟ وكيف فهمها العلماء؟ وهل نحن أمام حكم عام أم أمام واقعة لها سياقها الخاص؟
فالشريعة لا تُفهم بكلمة مبتورة عن سياقها، ولا بالقرآن بمعزل عن السنة، ولا بالسنة بمعزل عن أسباب ورودها ومقاصدها ومجموع النصوص، والاختلاف الفقهي في هذه المسألة قديم، ومن حق الباحث أن يعرض وجوهه بأمانة، ثم يترك للقارئ أن يزن الأدلة بعيدًا عن التشنج، وبعيدًا كذلك عن تحويل الدين إلى أداة لتصفية المواقف السياسية.
إن قيمة النص الشرعي لا تكون في كثرة استعماله في الخصومات، فهو في حسن فهمه؛ وحسن الفهم يبدأ من السؤال قبل الجواب: ماذا قيل؟ ولماذا قيل؟ وفي أي سياق قيل؟ وهل يدل اللفظ على العموم، أم أن للواقعة خصوصيتها؟
وبذلك يتحول النقاش من صراع حول «امرأة تحكم» إلى بحث أعمق في علاقة النص بالواقع، والولاية بالكفاءة، والحكم بالشورى، والمسؤولية بالأمانة.
فهنيئا للمرأة المناضلة الحرة في كل مكان وزمان،
.................................