
إنَّ قضية الجودة في الشعر والشعراء قضية استهلكها النُقاد والأُدباء مُنذُ زمنٍ بعيد؛ فقيمة الشعر تكمن في صياغته وألفاظه ومعانيه.
والحقيقة أن الشعر القديم فيه من جمال الصياغة والأسلوب ما يجعلنا نقف مُتأملين أمام تِلك القريحة المتوقدة التي نسجت هذا الشعر الجميلة ألفاظه ومعانيه؛ فنجد القصيدة بناءً متكاملاً تتحدث عن نفسها، تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فهي أناشيد من جراح وآمال الشعراء انعْشت قلوب المتلقين لهآ؛ فخرجت هذه القصائد كأنها سيمفونية لغوية وأدبية تعانق روح الحياة.
وأنا هنا لا أميلُ إلى من يبني اللفظ على المعنى أو العكس، المهم عندي هو التحام اللفظ مع المعنى؛ فكما قال عبد القاهر الجرجاني: "الشعرُ يشبه خاتماً مصنوعاً من الذهب أو الفضة، فالحُكم عليه يتضمن مادته الأولية من صياغته". وهكذا الشعر لا ينفصل فيه اللفظ عن المعنى، فالقصيدة العربية تُشبه جسم الإنسان ولكن فصل عضو فيه عن الآخر يفسده؛ فالقصيدة تتكامل من حيث اللفظ والمعنى، فالأساس هو شرف المعنى وصحته، وقوة اللفظ وجزالته.
فالقصيدة ومضة إبداعية أشعلتها حالة شعورية معينة، تُحدث في المُتلقِي أثراً عميقاً حينما تتحول الكلمات إلى أشخاص تتفاعل مع النفس الإنسانية.
إنه لمن الخطأ مُقارنة جيل الشعراء في العصور السابقة بجيلنا الآن؛ فهم قد تربوا في أحضان البادية حيثُ رضعوا الفصاحة والبلاغة في مهدها، ولم تعصرهم ضغوط الحياة وحداثِة المدنية المُميتة. أما الآن؛ فقد صارت لغتنا فريسة لبعض دعاوى المدنية والتقدم التي أزاحت عن وجهها بهاءها وجمالها ونضارتها. ولكن هذا لا يعني أن تتزحزح روح العزيمة وتتفتت جبال الإرادة والإصرار في نفوسنا، بل علينا مواجهة هذه الأمواج العاتية التي تعصف بلغتنا وثقافتنا العربية الإسلامية.
إن هؤلاء الشُعراء لم يكونوا شعراء فحسب، بل كانوا امتداداً لشريان اللغة وبحُورها، وأنهم نسجوا من المصطلحات النحوية والعروضية ثياباً كسوها وألبسوها من شاعريتهم المُفرِطة، فجعلوها نسيجاً مصنوعاً لقصائدهم. إن المصطلحات لم تلتصق بأبياتهم لصقاً، بل صارت جُزءاً أساسياً منها تترشح بمعانٍ مختلفة، ودلالات عميقة؛ مثل قول أبي العلاء المعريِ: {وظننتُ وجدك ماضياً مُتصرفاً....فلقيتني منه بفعل دائم} ومن اصطلاحات العروض في شعره قوله: {عِش يا ابن آدم عدة الوزن الذي..يدعي الطويل ولا تجاوز ذلكا}
إننا معشر الأدباء والمثقفين في حاجة ماسة إلى التعمق في بحور اللغة العربية واستكشاف تلك الجواهر المكنونة؛ لنستعيد هويتنا المفقودة، ولنصبح قادرين على تطويع غريب اللفظ للتعبير عما نشاء من معانٍ وأفكار كما كان السابقون.
ولكن الحقيقة التي لا جِدال فيها أن هؤلاء الشعراء ملأوا الدُنيا شِعراً فصيحاً سطروا فيه خبراتهم وتجاربهم وآمالهم في الحياة لتكون نبراساً لمن يأتي بعدهم، في لغة فصيحة لا تتخلى عن جذورها العميقة وترتوي بلسان تذوق بلاغة الكلمات وفصاحتها. هذا اللسان لم يعرف العجز عن التعبير، بل كان يطوع هذه الألفاظ للتعبير عما يُريده من معانٍ، وهذا ما نحتاجه الآن.
ورغم أن العرب قبل أن تنفتح على المدنية لم يكن لهم نسق بناء خاص بهم لأنهم عاشوا في الصحاري تحميهم سيوفهم؛ غير أن حاسة الجمال التي ورثوها عن عيش البادية (سماء صافية الأديم) غرست في نفوسهم نزعة إلى حب الجميل في ذاته؛ فما أحوجنا إلى هذا العشق والجمال!
إن المخزون اللغوي الذي نمتلكه الآن ضئيل جداً لا يُغني ولا يُسمن من جوع، والحقيقةُ الأمرُ جَدُّ خطرٍ بات يُهدد هويتنا العربية والإسلامية. فما يحدث من إهمال للغة والأدب بصفة عامة في كُل مجالات الحياة يطرح سؤالاً مُهماً:
إلى أين نحن سائرون؟
ومتى تستيقظ ضمائرنا؟
وكيف نعيد للغة العربية جناحها لترجع قوية خفاقة كما كانت..؟!
................................