عبقر ستور
مقالات

(رؤية يحجبها البريق) الكاتب/ خالد جهاد .. الأردن

مقال

صورة كافر مقال (رؤية يحجبها البريق) الكاتب/ خالد جهاد .. الأردن

لطالما حظي المبدعون بمكانةٍ خاصة في وجدان الشعوب، ولطالما كانوا محل اهتمام الجماهير ومصدر إلهامٍ لهم وتأثيرٍ على أفكارهم وخياراتهم، حيث يزداد ارتباط الناس بهم بمدى قدرتهم وقدرة نتاجهم على مخاطبة المتلقي والوصول إليه على اختلاف خلفيته الثقافية والاجتماعية، من خلال محاكاة واقعه وملامسة همومه والحديث عن مشاعره وقضاياه وأحلامه والتحديات التي تشغله والدفع باتجاه تغيير الظروف العامة إلى الأفضل عبر طرح أعمالٍ وآراء تناقشها واتخاذ خطواتٍ لتسليط الضوء عليها.

والذي قد يجعل من بعضهم (في نظر محبيهم) قدوةً أو مثلاً يحتذى به أو أيقونةً لا تقبل النقد أو المس أو المحاسبة أياً كان السبب أو الخطأ، كنتيجةٍ لإعجابهم الشديد بما يقدمونه وتماهيهم معه وإحساسهم بأنه يعبر عن ما يختلج في صدورهم، وهو ما يتطلب في المقابل مصداقيةً مستمرة وشفافيةً عالية وإقراناً للأقوال بالأفعال من قبل (المبدع) للحفاظ على مكانته وصورته التي سعى جاهداً لبنائها وترسيخها في الضمائر والأذهان.

ولكن (المبدع) في النهاية إنسان... يصيب ويخطئ، وقد تكون حقيقته مختلفةً أو بعيدة كل البعد عن تلك الصورة المثالية التي رسمها محبوه له في مخيلتهم، حيث قد يخونه التعبير في مسألةٍ ما، أو قد يتبنى وجهة نظرٍ خاطئة أو متطرفة، أو يقدم مصلحةً شخصية أو فئوية ضيقة على مصلحةٍ عامة، أو يدعم مبادئ عنصرية، أو يقع في فخ الازدواجية والتناقض بين ما ينادي به ويروج له وبين ما يعيشه ويؤمن به على أرض الواقع، أو يلتزم الصمت و(الحياد) عند منعطفاتٍ كبرى وطنية... اجتماعية... أو إنسانية رغم تواجده الدائم ليدلي بدلوه في (مواضيع الساعة)، وهو ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام... فيهز اسمه ويخصم من رصيده لدى مؤيديه... خاصةً عندما يتولى العقل زمام الأمور من تحليلٍ ونقدٍ وتفكير موضوعي متجرد من إعجابٍ يتضح أنه بلا جذور راسخة وبلا أساسٍ متين يقاوم تحديات العصر وعواصفه التي قد تنبع من أعماق بيئتنا أو تصدر إلى مجتمعاتنا من الخارج... وليجد المتابعون أو المعجبون بهذا الاسم أو ذاك أنفسهم أمام اختبارٍ حقيقي لقناعاتهم ولمدى صدق ورسوخ عقيدتهم الإنسانية والأخلاقية والفكرية حينما يصلون إلى نقطةٍ يضطرون فيها أمام أنفسهم أولاً ثم أمام محيطهم إلى الاختيار بين ما يؤمنون به أو الانجراف وراء (إعجابهم) باسمٍ ما... خاصةً عندما يكون لهذا الاسم تاريخ وسجل حافل ومبهر و(قيمة) هامة على أكثر من صعيد... وهو ما يعني بالضرورة (من وجهة نظرهم) التخلي عن مرحلةٍ من حياتهم ارتبطت بهم وعن جزءٍ من أحلامهم وآمالهم وذاتهم بعد أن ارتبطت بحالة يمثلها (إبداع) أحد الأسماء.

وبات هناك سؤالٌ دائم وملح عن وجوب (فصل) نتاج المبدع عن حياته الخاصة ومواقفه وتوجهاته مقابل رأي آخر يرى أن الإنسان عموماً وليس فقط المثقف كيان واحد لا يتجزأ وأن مسؤولية (صاحب الفكر) أشد وأعظم لامتلاكه دون غيره القدرة على استخدام وتطويع اللغة أو الفن كأداة للتعبير عن (نفسه) والتأثير بها على عدد كبير من البشر... وهي قضيةٌ باتت مطروحةً للنقاش بشكلٍ متزايد في السنوات الأخيرة مع كثرة المتغيرات وتتابع الأحداث من جهة وغياب وصمت (الوجوه المعروفة) من جهة أخرى أو انقلابها على (ما قدمته).

فعلى سبيل المثال، نُشِرَ للشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا (بعد وفاته) ضمن مذكراته عام ١٩٧٤ اعترافٌ باغتصابه لعاملة نظافة تعاني من الفقر المدقع في (سيريلانكا) عام ١٩٣٠ عندما كان يعمل هناك كدبلوماسي وقنصل لبلاده، ووصف فيه كيف أمسك بمعصمها بقوة وقادها إلى غرفة نومه وكتب: «كان اللقاء أشبه بلقاء رجل مع تمثال... أبقت عينيها مفتوحتين على اتساعهما طوال الوقت، وكانت غير متجاوبة على الإطلاق... كان من حقها أن تحتقرني».

وبرغم (التغاضي) عن هذا الاعتراف لعقود (دون سبب واضح) واستمرار الاحتفاء به كرمز إلا أن جهود بعض الحركات النسوية والحقوقية أعادت القضية إلى الواجهة مجدداً... فتم إلغاء تكريمه في موطنه الأم، كما بدأت بعض المدارس والجامعات في تشيلي بالابتعاد عن تدريس أعماله، وتوقفت المكتبة الرقمية الوطنية هناك عن شراء كتبه الإلكترونية.

لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، فقد لوحظ -عند مقارنة مذكرات (نيرودا) الصادرة بالإسبانية بترجمتيها العربية والإنجليزية- قيام مترجم النسخة العربية (د. محمود صبح) بإجراء بعض التغييرات والإضافات التي ساهمت في تخفيف وطأة عملية الاغتصاب على القارئ، ووضع مسافة بينها وبين ألم الضحية، وإظهارها بشكلٍ أقل وحشية مما كانت عليه؛ لتصب النتيجة في صالح (نيرودا) الذي لم يخسر شيئاً. وهو ما يثير قضيةً هامةً أخرى هي الأمانة، والتجرد، والتحلي بالمسؤولية في الترجمة، وفصل الرأي والذوق الشخصي للمترجم عن العمل الذي ينبغي تقديمه للقراء في أقرب صورةٍ ممكنة للنص الأصلي كمعنىً ورؤية. كما أن سلوك أي شخص -مهما كانت مكانته وإسهاماته- ينبغي ألا يخضع للمجاملات أو التجميل، وألا يكون على حساب المصداقية التي يتوقعها القراء؛ حيث ينبغي أن يُقدَّم العمل لهم (كما هو) دون تغاضٍ عن نقاطٍ بعينها مقابل التركيز على أخرى تبعاً لأي (اعتبارات)، تاركاً للمتلقي مسألة القبول أو الرفض.

وبالحديث عن التغاضي المتعمد في تناول الأسماء والقضايا، فإن المثال السابق ليس الوحيد؛ حيث يوجد تغاضٍ مشابه عن الكثير من المواقف والآراء الكارثية للعديد من (المبدعين) من مختلف بلاد العالم، سواء كان السبب تعصباً أم إعجاباً. مما يدفعنا -إحقاقاً للحق وتحرياً للإنصاف والموضوعية- إلى طرح سؤالٍ إضافي عن مدى مسؤولية المتلقي العادي أو الجمهور، بل وشراكته في الخطيئة، عندما يغفل (عمداً) أو يتغاضى عن جانبٍ أو رأيٍ أو موقفٍ مشابه وكأن شيئاً لم يكن، مستمراً في التعاطي ببساطةٍ وأريحية مع خطايا ينبغي أن يُحاسَب أصحابها بحزمٍ -على الأقل من زاويةٍ أخلاقية- مهما بلغت مكانتهم، وهم من لم يكن ليتقبل ما هو أقل من ذلك بكثير من أشخاصٍ عاديين. لكن (البريق) له حساباتٌ أخرى؛ فأيهما أسوأ: ازدواجية المثقف أم ازدواجية الجماهير؟ ومن منهم السبب في شيوع حالة الضبابية والالتباس في القيم، واللجوء إلى مصطلحات (فضفاضة) ومعايير متغيرة لا يمكن معها تحديدٌ للبوصلة، أو تعريفٌ للهوية، أو تشخيصٌ دقيق لطبيعة مجتمعاتنا وما تعتنقه من مبادئ وأفكار في ظل رؤيةٍ يحجبها البريق؟

...............................