
...........
للرحلات التي نقطعها سيرًا مذاقٌ مختلف؛ نمنح المكان وقتًا لنتأمله، ونصغي إلى تفاصيل قد تفوتنا خلف نوافذ السيارات. وبين الجبال والوديان، يكبر شغف الهايكنج مع كل درب جديد، بما يحمله من فضول الاكتشاف، ومتعة الرفقة، وفرحة الوصول بعد التعب.
في تجربة محمد الكعبي، مؤسس وقائد فريق الإمارات للمغامرات، بدأ هذا الشغف بحب الطبيعة واستكشاف جبال الإمارات، ثم اتسع ليصبح تجربة يشاركها مع الآخرين. وتأتي بعض أجمل لحظاتها حين يُكمل مشاركٌ رحلته الأولى، ويكتشف في نفسه قدرةً كان يشك فيها عند البداية.
في هذا الحوار، يأخذنا الكعبي إلى تفاصيل الطريق: الاستعداد الذي يسبق الانطلاق، ومسؤولية القيادة، وحكايات المشاركين، وما تعلّمه الإنسانَ رحلةٌ يمضي فيها خطوةً بعد أخرى.
1. لكل شغف حكاية أولى؛ ما حكايتك مع الهايكنج، ومتى شعرت أن رحلة واحدة لن تكفي؟
بدايتي مع الهايكنج كانت من حبي للطبيعة والاستكشاف، وخصوصًا جبال الإمارات اللي كثير من الناس يشوفونها من بعيد، لكن ما يعرفون جمال التفاصيل اللي تخفيها.
مع أولى تجاربي اكتشفت أن الهايكنج مب مجرد مشي في الجبال أو الوصول إلى القمة، هو تجربة تعيش فيها مع نفسك ومع الطبيعة. كل مسار له طبيعته وتحدياته، وكل رحلة تعلّمك شيئًا جديدًا.
ومع الوقت، تحول هذا الشغف إلى رغبة في مشاركة التجربة مع الآخرين. ومن هنا بدأت فكرة أن المغامرة تكون أجمل لما نعيشها كفريق، ونشوف أشخاصًا يكتشفون قدراتهم ويحققون شيئًا كانوا يعتقدون أنه صعب عليهم.
2. بين الرحلات التي خضتها، أيّها تختار لتروي من خلالها قصتك مع المغامرة؟ وما الذي جعلها مختلفة؟
صعب أختار رحلة واحدة، لأن كل رحلة تركت عندي ذكرى مختلفة. لكن أكثر الرحلات اللي تبقى في ذاكرتي هي اللي يكون فيها تحدٍّ حقيقي، خصوصًا لما نرافق أشخاصًا يخوضون تجربة الهايكنج لأول مرة.

تشوف المشارك في البداية مترددًا، ويسأل إذا بيقدر يكمل المسار، وبعد ساعات تشوف نفس الشخص وصل للنهاية وهو فخور بنفسه.
بالنسبة لي، هذي اللحظات أهم من الوصول إلى أعلى قمة. لأن المغامرة الحقيقية مب دائمًا في صعوبة الطريق، أحيانًا تكون في إنسان اكتشف في نفسه قدرة ما كان يعرف أنها موجودة.
3. تُظهر الصور جمال الوصول، لكنها تختصر الكثير من تفاصيل الطريق؛ ما الموقف الذي تتمنى لو عرف القراء حكايته كاملة؟
الصور عادة تنقل اللحظات الجميلة، مثل القمم والمناظر والابتسامات، لكنها ما تنقل كل اللي يصير خلف الكواليس.
في كل رحلة في تجهيزات تبدأ قبل انطلاق المشاركين، من دراسة المسار ومتابعة حالة الطقس إلى التأكد من جاهزية الفريق والمعدات.
وأثناء الرحلة، تمر علينا لحظات تحتاج صبرًا وتعاونًا، مثل مساعدة مشارك يشعر بالتعب أو تشجيع شخص فقد ثقته بقدرته على إكمال الطريق.
أكثر شيء أتمنى الناس تعرفه هو أن نجاح الرحلة ما يعتمد فقط على جمال المكان، بل على الجهد والمسؤولية والتعاون اللي يخلي الجميع يرجعون بسلام وذكريات جميلة.
4. في الجبال، قد يكون التراجع أصعب من مواصلة الصعود؛ هل واجهت لحظة اختبرت قدرتك على الاختيار بين حماس المغامرة ومسؤولية السلامة؟
في عالم المغامرات، لازم تعرف متى تكمل ومتى تتوقف. وهذا من أهم الدروس اللي يتعلمها أي قائد مع الخبرة.
أحيانًا تتغير الظروف، سواء بسبب الطقس أو طبيعة المسار أو مستوى تعب أحد المشاركين، وهنا لازم يكون القرار مبنيًا على تقييم المخاطر، وليس على الحماس للوصول.
أنا مؤمن أن القائد الناجح مب اللي يوصل مجموعته للقمة بأي ثمن، بل اللي يعرف كيف يرجع بالجميع بسلام.
دائمًا أقول إن الجبل موجود، ونقدر نرجع له في يوم ثاني، لكن سلامة الإنسان ما فيها مجازفة. والتراجع عند الحاجة مب فشل، بالعكس، هو قرار يدل على الخبرة والمسؤولية.
5. يأتي البعض إلى الهايكنج بحثًا عن التحدي، وآخرون طلبًا للهدوء أو لتجربة جديدة؛ كيف تتعاملون في فريق الإمارات للمغامرات مع اختلاف التوقعات، خصوصًا لدى المشاركين للمرة الأولى؟
في فريق الإمارات للمغامرات، نؤمن أن المغامرة مب حكرًا على المحترفين، وكل شخص من حقه يعيش التجربة بما يناسب قدراته.

لهذا السبب نهتم بتوضيح مستوى صعوبة المسار والمسافة والمتطلبات قبل الرحلة، حتى يكون المشارك عارفًا طبيعة التجربة اللي مقبل عليها.
وخلال الرحلة، نراعي اختلاف اللياقة والخبرة بين المشاركين، ونحرص على التشجيع والتعاون دون الضغط على أي شخص لتجاوز قدراته.
خصوصًا مع المبتدئين، هدفنا مب فقط أنهم يكملون المسار، بل أنهم يستمتعون بالتجربة ويكتسبون الثقة ويرغبون في تكرارها.
وأجمل شيء بالنسبة لنا لما يشارك شخص لأول مرة، وبعد الرحلة يسألنا: متى المغامرة القادمة؟
6. ماذا كشفت لك الدروب عن طبيعة الإمارات وأهل الأماكن التي زرتموها، مما لا تمنحه الزيارة السياحية المعتادة؟
الإمارات فيها تنوع طبيعي كبير، وكثير من الناس ما يتوقعون حجم الجمال الموجود بين الجبال والوديان والمناطق الصحراوية.
من خلال رحلاتنا في مناطق مثل رأس الخيمة وحتا والعين، اكتشفنا أن لكل منطقة طابعها الخاص، سواء في تضاريسها أو تاريخها أو طبيعة الحياة فيها.
والجميل أيضًا هو التعرف على أهل هذه المناطق، وارتباطهم بأرضهم ومعرفتهم بالدروب والجبال اللي توارثوها عبر الأجيال.
الهايكنج يخليك تشوف المكان بطريقة مختلفة عن الزيارة السياحية المعتادة. أنت ما تمر بالمكان فقط، بل تعيش تفاصيله وتتعرف على طبيعته وتحترم بيئته.
وهذا أحد الأمور اللي نحرص على نقلها للمشاركين: أن المغامرة فرصة لاكتشاف الإمارات من زاوية مختلفة، وتعزيز تقديرنا لطبيعتها وتراثها.
7. مع انتشار صور المغامرات على منصات التواصل، كيف تقدّمون تجربة جذابة دون أن تختفي خلف جمال الصورة صعوبة المسار ومتطلبات الاستعداد؟
وسائل التواصل ساعدت كثيرًا في تعريف الناس بجمال الطبيعة ونشر ثقافة المغامرات، لكن في نفس الوقت علينا مسؤولية في تقديم الصورة الحقيقية للتجربة.
الصورة الجميلة ممكن تشجع شخصًا على المشاركة، لكن من المهم يعرف أن الوصول لهذا المكان قد يتطلب مجهودًا بدنيًا واستعدادًا مناسبًا.
لهذا نحرص في فريق الإمارات للمغامرات على توضيح تفاصيل الرحلة، مثل المسافة ومستوى الصعوبة والوقت المتوقع والمستلزمات الضرورية.
ونشجع المشاركين على اختيار الرحلات المناسبة لقدراتهم، وعدم الاستهانة بالمسارات حتى لو ظهرت سهلة في الصور.
بالنسبة لنا، نجاح الإعلان مب بعدد الأشخاص اللي يسجلون فقط، بل بأن كل شخص يشارك يكون مستعدًا ويعرف طبيعة المغامرة اللي اختارها.

8. بعد كل ما قطعته من مسافات، ما الذي تغيّر فيك؟ وأيّ درب ما زلت تحلم بأن تبدأ حكايته؟
الجبال علمتني الصبر والتواضع، وأن الإنسان مهما كانت خبرته يظل يتعلم من كل تجربة.
علمتني أيضًا أن القيادة مب مجرد إعطاء توجيهات، بل مسؤولية وثقة يمنحك إياها الأشخاص اللي يرافقونك، ولازم تكون على قدرها.
ومع السنوات، تغير مفهوم المغامرة عندي. في البداية كان الشغف باكتشاف أماكن جديدة، واليوم أصبحت سعادتي أكبر لما أشوف الآخرين يعيشون التجربة ويكتشفون قدراتهم.
أما عن الدرب اللي أحلم فيه، فطموحي أن نواصل اكتشاف مسارات جديدة داخل الإمارات وخارجها، ونساهم في نشر ثقافة المغامرات الآمنة والمسؤولة.
وأتمنى أن يكون لفريق الإمارات للمغامرات دور في بناء مجتمع يجمعه حب الطبيعة والاستكشاف، وتكون كل رحلة فيه بداية لحكاية جديدة.
وفي النهاية، أؤمن أن أجمل ما في المغامرة ليس المكان الذي نصل إليه، بل الأشخاص الذين نشاركهم الطريق، والأثر الذي تتركه التجربة فينا.
..........................