
تثير هذه المقولة إشكالًا فلسفيًا يتجاوز معناها الحسابي، إذ تدعو إلى التفكير في قيمة الذات وعلاقتها بالآخر، فإذا كان الصفر لا يكتسب قيمته إلا عندما يقترن بغيره، فهل يعني ذلك أن وجود الإنسان وقيمته لا يتحققان إلا في إطار العلاقة مع الآخرين؟ أم أن للذات قيمة مستقلة لا تتوقف على غيرها؟
يرى أنصار البعد الاجتماعي أن الإنسان كائن لا يستطيع أن يحقق ذاته في العزلة، لأن شخصيته تتكون من خلال التفاعل مع المجتمع، واكتساب اللغة، والمعرفة، والقيم. فالآخر شرط أساسي لنموه واكتمال وعيه، ومن هذا المنظور تصبح قيمة الفرد ثمرة للعلاقات الإنسانية التي تربطه بغيره، تمامًا كما يكتسب الصفر قيمته عندما يقترن برقم آخر، غير أن هذا الرأي لا يخلو من اعتراض، إذ إن اختزال قيمة الإنسان في علاقته بالآخر قد يؤدي إلى إهمال استقلاليته وحريته، فالإنسان يمتلك عقلًا وإرادة وكرامة تجعل له قيمة في ذاته، حتى وإن عاش بعيدًا عن الآخرين، وقد يكون تأثير الفرد الواحد في التاريخ والمجتمع أعظم من تأثير جماعات بأكملها، مما يدل على أن قيمته لا تُقاس دائمًا بعدد من يحيطون به.
وعليه، فإن الحقيقة تكمن في الجمع بين الموقفين؛ فالإنسان يملك قيمة ذاتية بوصفه كائنًا عاقلًا حرًا، لكنه لا يستطيع أن يحقق هذه القيمة ويحولها إلى أثر فعلي إلا من خلال التواصل والتعاون مع الآخرين، وهكذا تظل المقولة دعوة إلى إدراك أن الوجود الإنساني يقوم على التوازن بين استقلال الذات والانفتاح على الغير، وأن الإنسان يكتمل بالآخر دون أن يفقد خصوصيته.
كيف يرث الابن صفاته جينيًا عن أمه
تُعد الوراثة من أعظم الظواهر التي تكشف دقة البناء الإنساني، فالإنسان لا يبدأ حياته من فراغ، وإنما يحمل منذ لحظة تكوّنه سجلًا وراثيًا ينتقل إليه من والديه، ويأتي الابن حاملًا مزيجًا من الصفات الجينية التي أخذ بعضها من أبيه وبعضها من أمه، غير أن للأم خصوصية بيولوجية تجعل بعض أنواع المادة الوراثية تنتقل منها إلى أبنائها بطريقة مميزة.
يبدأ هذا الإرث الوراثي عند تكوّن الجنين من اتحاد البويضة التي تحملها الأم بالحيوان المنوي الذي يحمله الأب، إذ تحتوي معظم خلايا الإنسان على 46 كروموسومًا، يأتي نصفها من الأم، أي 23 كروموسومًا، ويأتي النصف الآخر من الأب، وعندما يلتقي الحيوان المنوي بالبويضة، تتحد المادتان الوراثيتان لتكوين خلية جديدة تحمل العدد الكامل من الكروموسومات، ومن هذه الخلية تبدأ رحلة تكوين الجنين، بما يعني أن الابن لا يرث صفاته الجسدية من أمه وحدها، فهو يرث نصف مادته الوراثية النووية تقريبًا من أمه والنصف الآخر من أبيه. فالطول، ولون العينين، وبعض ملامح الوجه، وقابلية ظهور بعض الصفات وغيرها، كلها نتاج تفاعل عدد كبير من الجينات الموروثة من الوالدين، إلى جانب تأثير البيئة ونمط الحياة وعوامل أخرى.
وتتميز الأم في عملية الوراثة بأنها تمنح أبناءها دائمًا كروموسومًا جنسيًا من نوع X، لأن خلاياها التناسلية، أي البويضات، تحمل X. أما الأب فيمكن أن يمنح الحيوان المنوي الذي يحمل X أو الحيوان المنوي الذي يحمل Y. فإذا حمل الحيوان المنوي كروموسوم X أصبح الجنين XX، وإذا حمل كروموسوم Y أصبح الجنين XY. ولذلك فإن الابن الذكر يحصل على كروموسوم X من أمه، وكروموسوم Y من أبيه - وتظهر أهمية هذه الحقيقة عندما ننظر إلى بعض الجينات الموجودة على كروموسوم X. فالابن الذكر لا يملك إلا كروموسوم X واحدًا، ولذلك فإن بعض الصفات أو الاضطرابات المرتبطة بجينات موجودة على X يمكن أن تنتقل إليه من أمه مباشرة، أما الأب فلا ينقل كروموسوم X إلى ابنه الذكر؛ إذ ينقل إليه كروموسوم Y، بينما ينقل كروموسوم X إلى بناته.
وهناك نوع آخر من الوراثة يجعل للأم دورًا أكثر خصوصية، وهو ما يعرف بالحمض النووي للميتوكوندريا، والميتوكوندريا هي عضيات موجودة داخل الخلايا وتؤدي دورًا أساسيًا في إنتاج الطاقة، وهي تحتوي على كمية صغيرة من الحمض النووي الخاص بها، ويُعرف باسم DNA الميتوكوندريا، ويأتي هذا الحمض النووي في الإنسان تقريبًا من الأم، لأن الميتوكوندريا الموجودة في البويضة تسهم في تكوين خلايا الجنين، في حين أن مساهمة الميتوكوندريا الأبوية في الجنين لا تستمر عادة.
ولهذا السبب يمكن القول إن هناك خطًا وراثيًا مميزًا ينتقل عبر الأم، وهو DNA الميتوكوندريا، ويمكن أن ينتقل من الأم إلى أبنائها وبناتها - لكن الابن الذكر لا ينقل DNA الميتوكوندريا الذي ورثه من أمه إلى أبنائه، بينما تستمر البنات في نقله إلى الجيل التالي، ولذلك تستخدم دراسة DNA الميتوكوندريا أحيانًا في تتبع الأنساب والخطوط الأمومية عبر أجيال متعاقبة، ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن كل صفات الابن تأتي من الأم أو أن الأب لا تأثير له في صفاته. فالصفات الإنسانية في معظمها معقدة، وتشارك فيها جينات كثيرة، وقد تتفاعل الجينات القادمة من الأب مع الجينات القادمة من الأم بطرق متعددة، كما أن بعض الجينات قد تكون سائدة، وبعضها متنحية، وقد تتأثر طريقة ظهور الصفة بعوامل أخرى داخل الجسم والبيئة المحيطة بالإنسان.
والأجمل في علم الوراثة أن الابن يكون تركيبًا وراثيًا جديدًا، فعند تكوين البويضات والحيوانات المنوية تحدث عملية تسمى الانقسام المنصف، وفيها يعاد توزيع الكروموسومات والمادة الوراثية، مما يؤدي إلى تكوين خلايا تناسلية تحمل تركيبات وراثية متنوعة - وعندما تجتمع بويضة معينة بحيوان منوي معين، يتكون خليط وراثي فريد يميز الفرد عن غيره.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا قد يشبه الابن أمه في لون العينين، أو شكل الوجه، أو بعض السمات الجسدية، بينما يشبه أباه في صفات أخرى، وقد يحمل في الوقت نفسه صفات لا تظهر بصورة واضحة عند أي منهما، وإنما تكون نتيجة اجتماع نسخ مختلفة من الجينات الموروثة من الطرفين.
وقد يرث الإنسان أيضًا بعض الاستعدادات الوراثية من أمه وأبيه، لكن وجود جين معين لا يعني بالضرورة أن الصفة ستظهر بصورة حتمية، فطريقة تعبير الجينات تخضع لعوامل بيولوجية متعددة، ولهذا فإن علم الوراثة لا ينظر إلى الإنسان باعتباره مجموعة من الصفات الثابتة التي تنتقل بصورة آلية، فهو يدرس شبكة معقدة من التفاعلات بين الجينات والخلايا والهرمونات والبيئة.
إن الأم، من الناحية البيولوجية، تمنح ابنها الحياة، كما تمنحه منذ اللحظة الأولى مجموعة واسعة من المعلومات الوراثية. فالبويضة تحمل 23 كروموسومًا، وتحمل كذلك السيتوبلازم والميتوكوندريا التي تسهم في بداية تكوين الجنين، ثم تبدأ الخلية الأولى بالانقسام والتخصص حتى يتكون جسم الإنسان بأجهزته وأعضائه المختلفة.
وهكذا فإن وراثة الابن عملية دقيقة ومعقدة تتداخل فيها المادة الوراثية النووية مع DNA الميتوكوندريا، وتتفاعل فيها الجينات الموروثة من الوالدين مع بعضها ومع البيئة.
وإذا أردنا تلخيص خصوصية الوراثة من الأم، فإن الابن الذكر يرث منها نصف كروموسوماته النووية، ويحصل منها بالضرورة على كروموسوم X، كما يرث منها DNA الميتوكوندريا، أما كروموسوم Y الذي يجعله ذكرًا في نظام تحديد الجنس الكروموسومي، فيأتي من الأب.
ومن ثم فإن الابن يحمل في جسده قصة وراثية مشتركة بين أبوين، غير أن للأم أثرًا وراثيًا خاصًا ومميزًا يظهر بصورة أوضح في كروموسوم X وفي DNA الميتوكوندريا، وهذا يجعل الوراثة واحدة من أكثر الظواهر التي تكشف الترابط العميق بين الأجيال، إذ يحمل كل إنسان في خلاياه آثارًا بيولوجية من أصوله، ويصبح بذلك امتدادًا حيًا لسلسلة وراثية بدأت قبل ولادته واستمرت عبر أجيال متعاقبة.
الموروث السلوكي للأم وأثره في تكوين أبناء الأندلس:
لا يقتصر أثر الأم في تكوين أبنائها على ما تمنحه لهم من مادة وراثية تنتقل عبر الجينات، فقد يتجاوز ذلك إلى موروث آخر أكثر خفاءً وأشد حضورًا في تشكيل الشخصية، وهو الموروث السلوكي والثقافي، فالطفل لا يولد حاملًا للصفات الجسدية وحدها، وإنما يولد داخل بيئة تبدأ بتشكيله منذ اللحظة الأولى؛ يسمع لغة أمه، ويرى طريقتها في التعبير، ويتلقى منها الإيقاع اليومي للحياة، ويتعلم منها بصورة مباشرة وغير مباشرة طرائق التعامل مع الأشياء والناس والمجتمع.
وإن الحديث عن أثر الأم في الابن ينبغي ألا يحصر في علم الوراثة الجينية، لأن جانبًا كبيرًا من شخصية الإنسان يتكون من خلال التنشئة والمحاكاة والتكرار، فالطفل يقضي سنواته الأولى في بيئة تكون الأم فيها أحد أهم مصادر اللغة والعاطفة والعادات والسلوك، ولذلك يمكن أن تنتقل منه إليها أنماط من التعبير والذوق والتعامل قد تظل ملازمة له طوال حياته، وهنا يمكن أن نقترب من التجربة الأندلسية، حيث لم يكن المجتمع العربي في الأندلس مجتمعًا مغلقًا على عنصر واحد، فقد كان مجتمعًا متعدد الأصول والثقافات، التقت فيه العربية بثقافات محلية مختلفة، وامتزجت فيه عناصر عربية وإيبيرية وأعجمية، وكان الزواج والتعايش والتجاور بين الجماعات المختلفة من العوامل التي جعلت البيت الأندلسي نفسه فضاءً للتلاقح الثقافي.
ومن أكثر المساحات تأثيرًا في هذا التلاقح مساحة الأم؛ لأن الأم كانت حاضرة في التربية الأولى للطفل، وكانت اللغة التي يسمعها في البيت، والعادات التي يشاهدها، وطريقة التعبير عن الفرح والحزن والغضب والمحبة، كلها تدخل في تكوين شخصيته قبل أن يبدأ وعيه النقدي في التمييز بين ما هو عربي وما هو أعجمي.
فإذا كانت الأم من أصل غير عربي، فإن أبناءها قد يتلقون منها، إلى جانب الثقافة العربية السائدة، بعض عناصر ثقافتها الأصلية، سواء في اللغة أو العادات أو أنماط الطعام أو الموسيقى أو الحكايات أو طريقة التعبير العاطفي، ولا يعني ذلك أن الابن يرث هذه الأمور جينيًا، وإنما يكتسبها من خلال المخالطة والتربية والمحاكاة، ثم يعيد تشكيلها داخل البيئة التي يعيش فيها، و يمكن فهم جانب من خصوصية الشخصية الأندلسية؛ فهي لم تكن صورة مطابقة للشخصية المشرقية، رغم أن جذورها اللغوية والثقافية عربية إسلامية، فقد نشأت في بيئة مختلفة، واحتكت بثقافات متعددة، واكتسبت من هذا الاحتكاك أنماطًا من الحس والتذوق والنظر إلى الجمال والطبيعة والموسيقى والعلاقات الاجتماعية، وكانت الأم في هذا السياق واحدة من أهم القنوات التي عبرت من خلالها العناصر الثقافية من جيل إلى آخر. فالبيت ليس مؤسسة تعليمية رسمية، ولكنه أول مدرسة يتعلم فيها الطفل اللغة والسلوك، وفيه تتكون الكثير من الصور الذهنية التي يصعب على الإنسان التخلص منها لاحقًا؛ لأن ما يتكرر في الطفولة يتحول مع الزمن إلى جزء من البنية النفسية والاجتماعية للفرد.
ولذلك يمكن القول إن أبناء الأندلس الذين نشؤوا في أسر مختلطة ثقافيًا كانوا يعيشون نوعًا من التعدد داخل ذواتهم، فقد يسمعون العربية في المجال العام، وربما يسمعون في البيت ألفاظًا أو تعبيرات ذات أصل محلي، ويشاهدون عادات متداخلة، ويتلقون ذوقًا موسيقيًا متنوعًا، ثم يحملون هذا كله إلى حياتهم العلمية والأدبية والفنية، ومن تظهر أهمية اللغة، كطريقة في رؤية العالم، والكلمة التي يتعلمها الطفل من أمه تحمل معها ذاكرة ثقافية كاملة، فإذا تداخلت العربية مع الألفاظ المحلية والأعجمية، نشأ نوع من التفاعل اللغوي الذي يمكن أن يظهر لاحقًا في الأدب والشعر والغناء، وهذا الجانب يساعدنا على فهم بعض خصائص الأدب الأندلسي، ولا سيما الموشحات والأزجال، فقد ظهرت في البيئة الأندلسية أشكال شعرية ذات بناء مختلف عن القصيدة العربية التقليدية، كما ظهرت الخرجة في الموشحة، وقد ترد فيها ألفاظ عامية أو أعجمية، وليس من الدقة أن ننسب نشأة الموشحات كلها إلى العامل اللغوي وحده، فقد شاركت الموسيقى والغناء والتطور الفني والاجتماعي في نشأتها، لكن التعدد اللغوي كان أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل خصوصيتها.
وفي هذا المعنى يمكن أن نفهم العبارة التي نقلها ابن بسام عن مقدّم بن معافر القبري بأنه «كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه: المركز، ويصنع عليه الموشحة». فالمفردة الأعجمية لم تبقَ خارج العربية، وإنما دخلت في فضاء فني جديد، وأصبحت جزءًا من نسيج أندلسي يجمع بين مستويات لغوية وثقافية متعددة.
وهنا تتضح العلاقة بين الأم واللغة والثقافة، فحين تكون الأسرة متعددة الأصول، فإن الطفل قد لا يرث من أمه «صفة فكرية» بالمعنى الجيني، لكنه قد يرث عنها منظومة من العادات والتصورات وأنماط التعبير، ومع مرور الزمن تصبح هذه العناصر جزءًا من الذاكرة الجماعية، وقد تنتقل من البيت إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الأدب والفن.
ولعل هذا يفسر جانبًا من الرقة الحسية التي ظهرت في الأدب الأندلسي، ولا سيما في وصف الطبيعة والجمال والموسيقى، إذ الأندلسي عاش في بيئة طبيعية مختلفة عن البيئة الصحراوية التي تشكلت فيها القصيدة العربية القديمة، وأصبح الروض والماء والنهر والحديقة والقصر والنسيم عناصر أساسية في تجربته الجمالية.
غير أن هذه التجربة لم تقطع صلتها بالموروث العربي، فقد ظل الشاعر الأندلسي يستعمل اللغة الفصحى، ويستدعي صورًا ومفردات عربية قديمة، ثم يضعها داخل بيئة جديدة، و حدث نوع من التفاعل بين الموروث العربي والمحيط الأندلسي، وهو تفاعل يمكن تسميته بالتلاقح الثقافي أو السلوكي، لا بالوراثة الجينية، وهذا التمييز مهم جدًا؛ لأن القول بأن أبناء الأندلس «ورثوا صفات فكرية من الأعجميات» بالجينات سيكون تعميمًا علميًا لا يمكن إثباته بهذه الصورة، أما القول بأن أبناء الأندلس تأثروا بأمهاتهم غير العربيات من خلال التربية واللغة والعادات والمخالطة، فهو تفسير اجتماعي وثقافي يمكن مناقشته في ضوء طبيعة المجتمع الأندلسي وتكوينه المتعدد.
فالفكر لا ينتقل من الأم إلى الابن كما ينتقل لون العين أو فصيلة الدم، وإنما تتشكل طرائق التفكير من تفاعل معقد بين الاستعدادات الفردية والتربية والتعليم واللغة والبيئة والتجارب الاجتماعية، والأم واحدة من أهم عناصر هذه البيئة، خصوصًا في مرحلة الطفولة المبكرة.
و يمكن أن ننظر إلى الأندلس باعتبارها تجربة تاريخية نشأ فيها الإنسان بين موروثين أو أكثر. فالأب قد يمثل في بعض البيوت امتدادًا للثقافة العربية الإسلامية، بينما تحمل الأم ذاكرة محلية أو أعجمية، ويأتي الابن نتيجة لهذا التفاعل الاجتماعي والثقافي، ولا يكون الناتج نسخة من أحد الطرفين، وإنما هي شخصية جديدة تجمع عناصر مختلفة وتعيد ترتيبها.
وهذه الفكرة نفسها يمكن أن تفسر بعض الظواهر الأدبية الأندلسية؛ فالشاعر كان يحمل في ذاكرته لغة عربية فصيحة، ويعيش في بيئة ذات لهجات وثقافات متعددة، ويتذوق موسيقى متنوعة، ويرى طبيعة مختلفة، ثم يحول هذه العناصر كلها إلى نص شعري، وبذلك يصبح التلاقح بين المدينة والبداوة، وبين العربي والأعجمي، وبين الفصحى والعامية، أكثر من مجرد تداخل في المفردات، إنه تداخل في التجربة الإنسانية نفسها. فاللغة التي تبدو في ظاهرها عربية خالصة قد تحمل في صورها وإيقاعاتها وحساسيتها أثر البيئة التي عاشت فيها، والشاعر الذي يكتب بالفصحى قد يكون قد تشكل وجدانيًا داخل مجتمع متعدد الثقافات.
ومن أجمل ما يمكن أن نستخلصه من التجربة الأندلسية أن الهوية قد تكون بناءً مركبًا يتكون من عناصر متعددة، فالابن الذي نشأ في بيت يجمع بين ثقافتين لا يكون بالضرورة ممزقًا بينهما، قد يصبح قادرًا على تحويل الاختلاف إلى طاقة إبداعية، وهكذا قد تتحول الثنائية الثقافية إلى ثراء لغوي وفني وفكري.
وإذا كان الموروث الجيني يفسر انتقال بعض الصفات البيولوجية من الوالدين إلى الأبناء، فإن الموروث السلوكي يفسر جانبًا آخر من استمرار الثقافة عبر الأجيال. فالأم تمنح ابنها جزءًا من جيناته، لكنها تمنحه كذلك لغته الأولى، وطريقة تفاعله الأولى مع العالم، وصورًا كثيرة عن الحب والخوف والجمال والآخر، وتلك كلها عناصر لا تُقرأ في خريطة الجينات وحدها.
و يمكن القول إن الأم في التاريخ الاجتماعي للأندلس كانت وسيطًا ثقافيًا بين الأجيال، وما حملته من لغة وعادات وذاكرة محلية يمكن أن يجد طريقه إلى الأبناء، ثم إلى الأجيال التالية، حتى يصبح بعد قرون جزءًا من شخصية المجتمع نفسه.
وعلى هذا الأساس يمكن فهم بعض الخصائص التي تميز بها المجتمع الأندلسي عن غيره من المجتمعات العربية في المشرق، فقد كان أندلسيًا لأنه عربي في لغته وثقافته الإسلامية، ومحليًا في بيئته وتجربته، ومتعددًا في أصول عناصره البشرية والثقافية، ومن هذا التعدد ولدت شخصية حضارية، وهي تجربة جديدة أعادت تشكيل الموروث العربي في بيئة مختلفة.
وإن أثر الأم في ابنها يمكن أن يُقرأ على مستويين متكاملين: مستوى بيولوجي يتمثل في المادة الوراثية التي تنتقل من الأم إلى الابن، ومستوى ثقافي سلوكي يتمثل في التربية واللغة والمحاكاة والعادات والتجربة اليومية. وإذا طبقنا هذا التمييز على الأندلس، أمكننا أن نفهم بصورة أكثر دقة كيف أسهمت الأمهات من أصول محلية أو أعجمية في تشكيل أجيال أندلسية حملت مزيجًا من العناصر العربية والمحلية، ثم حولت هذا المزيج إلى لغة وأدب وموسيقى وفن.
ولذلك فإن الأندلس يمكن أن تُقرأ بوصفها مثالًا تاريخيًا على أن الحضارات لا تتشكل من عنصر واحد، وإنما من تفاعل العناصر، وما يحدث داخل الأسرة الصغيرة قد يتسع مع الزمن ليصبح ظاهرة اجتماعية، ثم ثقافية، ثم حضارية، فالكلمة التي يسمعها الطفل من أمه، والعادة التي يتعلمها في بيته، والنغمة التي يألفها في طفولته، والصورة التي تتكون في ذهنه عن الجمال والعالم، قد تتحول بعد أجيال إلى جزء من ذاكرة مجتمع كامل.
وهنا يكمن المعنى الأعمق للموروث السلوكي: إنه لا ينتقل في الدم، ولكنه قد يستقر في الذاكرة، ولا تحمله الكروموسومات، وإنما تحمله التربية واللغة والعادة والتقليد، وإذا امتزج هذا الموروث بموروث آخر، كما حدث في الأندلس، فإن النتيجة قد تكون ثقافة جديدة لا تنتمي بصورة كاملة إلى أحد طرفيها، فقد تصبح شيئًا ثالثًا أكثر تركيبًا وثراءً.
ومن ثم، فإن القول بأن أبناء الأندلس تأثروا بأمهاتهم الأعجميات لا ينبغي أن يفهم بوصفه حديثًا عن انتقال «جينات فكرية» أو صفات عقلية محددة، فهو انتقال ثقافي وسلوكي تشكل من خلال الحياة اليومية والتربية والمخالطة، وهذا الفهم أكثر دقة، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على تفسير كيف استطاع المجتمع الأندلسي أن يحول تعدده البشري والثقافي إلى واحدة من أكثر التجارب الحضارية تميزًا في التاريخ الإسلامي.
....................................