عبقر ستور
دراسات ونقد

(أطياف الحنين وصراع الذاكرة) - قراءة في مجموعة (متنزه الغائبين) لميثم الخزرجي - بقلم الكاتبة/ شروق مجدي .. مصر

دراسات ونقد

صورة كافر مقال (أطياف الحنين وصراع الذاكرة) - قراءة في مجموعة (متنزه الغائبين) لميثم الخزرجي - بقلم الكاتبة/ شروق مجدي .. مصر

في حقيقة الأمر، أرى أن هذا العمل الأدبي يُصنَّف ضمن الأعمال الروائية؛ نظراً لما فيه من تتابعٍ في الأحداث، واتصال الشخصيات بعضها ببعض، ووحدة المكان والموضوع. وقد اتسم العمل بالسرد الجيد على لسان الراوي المتكلم، المتمثل في دور «هيلي» الطبيبة النفسية. كما تميز الكاتب ببساطة الأسلوب، والتشويق، والجذب، والبعد عن الإسهاب في الجمل.

غلب على العمل التأثر بالسينما الإنجليزية؛ فقد أشار الكاتب إلى فكرة اختراع جهاز لتحليل طبيعة العقل، والإشارات التي يستقبلها، وماهية التفكير، وعلاقة التفكير والسلوكيات غير المباشرة بالمرض النفسي، وتأثير اللاشعور على الفن. فقد استخدم رسومات لها سيميائية خاصة، مثل: الخطوط المتعرجة التي هي إشارة إلى طبيعة عقل المرأة، والصندوق الذي يرمز لطبيعة عقل الرجل؛ ولعل ذلك شكل صراعاً غير مباشر بين طبيعة عقل الرجل وطبيعة عقل المرأة وكيفية التفكير لدى كل منهما.

كما اختار الكاتب أسماء ذات رمزية، مثل «هيلي»، وهو اسم كان يُستخدم في اللغة الإنجليزية القديمة بمعنى «الحقل»، فهي حقل خصب من الحب والوفاء والتفاني في عملها. رفضت الزواج بعد وفاة خطيبها وفضلت العزلة، وقد تفكر في أن تسلك مسلك الرهبنة متعللة بأن الإنسان ولد وحده وسيموت وحيداً ويُدفن وحيداً، رغم أن الإنسان كائن الاجتماعي يميل للتفاعل، والناس تفضل الشخص التفاعلي؛ فكيف وهو طبيبة نفسية؟! وتُربي «هيلي» كلباً؛ إذ اختار ميثم الخزرجي حيوان الكلب لما يتميز به من وفاء وإحساس عالٍ.

شكل الكاتب صراعاً بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي؛ فالمرض النفسي يعيش في عالم خاص به، منفصلٍ وبعيدٍ عن الناس، ولذا فقد وضع ميثم الخزرجي عنواناً لمجموعته القصصية: «متنزه الغائبين». لكن يستوقفني سؤال أود توجيهه للكاتب: لماذا كل هذا التأثر الكبير بالإنجليزية رغم أن العرب هم السابقون في النهضة الحضارية والتقدم في علوم الفيزياء والطب النفسي؟ ربما لكون الإنجليز لديهم تفوق تكنولوجي، إنما اتسم الكاتب بحداثة الفكرة، فقد أبرز فلسفة التعايش.

لقد أشرتُ سابقاً إلى رؤيتي في بعض الأعمال الأدبية شرحَ النظرية الفلسفية التي تشير إلى أن الإنسان يموت مرتين: مرة حينما يُنسى، والأخرى عند موته النهائي. إنما هنا أشار الكاتب إلى «فلسفة التعايش»، وهي أن تشعر بوجود شخص ما وهو غير موجود؛ نتيجة للحنين إلى هذا الشخص. وهذا ما سرده الكاتب على لسان الراوي المتحدث وهو يروي قصة الرجل الذي يكتب الخطابات لزوجته المتوفاة، فكل ذلك ناتج من شدة الحب وقوة الارتباط؛ إذ تهتم الفلسفة بالتفسير البعيد للمشاعر وسلوكيات الإنسان، وهنا صُوِّر المفهوم السامي للحب.

تميز ميثم الخزرجي بعمق الخيال والتعايش مع الأشخاص والأحداث، فكانت النهاية مفاجئة؛ فقد تعايش الكاتب مع البطل - نستطيع أن نقول صديقه «سليمان» - والقصص التي قرأها، ثم استيقظ سليمان على أصوات العصافير. فهذه هي الفلسفة: رحلة يغوص فيها الفيلسوف في أفكاره من الشك ليكون اليقين هو البر.

وقد ترتبط الفلسفة باعتبارها «أم العلوم» بالأدب؛ فتكون رحلة طيران يطير فيها الكاتب بطائرته في سماء الإبداع وإلى فضاء الخيال، فيعيش في عالم افتراضي مليء بالأحداث والشخصيات والصراعات، ثم يهبط إلى أرض الواقع بعد التحليق في فضاء الأحلام. الفلسفة في بعض الأحيان تعطي مفاهيم خاصة للإنسان كإنسانٍ يفكر، إنسانٍ يبدع، إنسانٍ يتدبر، إنسانٍ يشك؛ فكما قال الفيلسوف ديكارت: «أنا أشك إذاً أنا موجود»، وأنا أقول: «إنسان يفكر، يبتكر، يبدع، إذاً هو موجود»، أما أن تُعطى مفاهيم عامة للإنسان - كإنسان يأكل، إنسان يشرب، إنسان ينام - فهذا إنسان مهمش، وجوده مجرد وجود رمزي.

..............................