...........
ترنحت قامته الطويلة إثر إصابة بليغة ، بعد مواجهة عنيفة استمرت ساعات وهو يذود عن مدينته المحاصرة .
بصعوبة شديدة أخذ يلتقط أنفاسه ، أيقن أنها الأنفاس الأخيرة ، سقط مضمخا بأوجاع وشظايا حلمه .
حاول أن يزحف بعيدا ، أسند ظهره إلى جذع شجرة توارت خلف إهاب خريفها ، حرك أقدامه ، لم يعد يحس بحرارتها ، وحدها الجبال والشعاب حفظت عن ظهر جراح خطاه الدامية شاهدة على أقدامه وبسالته في مدينته الحالمة .
مازال متشبثا بسلاحه بكبرياء يأبى الخنوع ، لكن ذخيرته نفدت .
غشيته إغماءة شفيفة
ومن وراء أستار المدى لكأنه سمع صوت طفله يناديه تساءل والدماء تسيل من جسده المثخن بالجراح أهي خيالات وأوهام !! ؟
اعتصره ألم آخر أشدمرارة ووجعا :
لن تراني يا (وليد)، لم يمهلني العمر معك سوى خمسة أعوام أعتذر إليك لن أعود لأضمك إلى صدري ، وأتأمل ابتسامتك الجميلة ، وأحضر لك الحلوى التي طلبتها ، بابا جريح ياوليد يصارع الموت لكن عزاءه أن بعض الجراح وقود لاستمرار الحياة .
لاتنس ياولدي أعداء النور قَتَلة أبيك .
مازال صوت الرصاص يصم الاذان ، ورائحة البارود كأنها نعش من لهب تحرق الأنفاس .
هبت نسمة باردة جادت بها أكف (الآجور)* شفقية اللون لتتلقاها نسمة دافئة محملة بهمس ( المشاقر)* التَّعِزية، كانتا تبحثان عن رئتيه لتنعش الروح في أنفاسه الأخيرة ، لكنهما عادتا مِعزَفا لأناشيد نصر يأبى الفناء ينغّمُ عزا في مقل الأمنيات .
تهادى الشفق في درب المغيب .
أضواء المدينة مطفأة عدا بقعة نور في الأفق البعيد ، شعر أنها تلوح له .
الابتسامة التي لاحت على شفتيه الشاحبتين كانت توحي بأنه سمع صوت صغيره لم يكن الصوت خيالات تجترها الانفاس الأخيرة بل حقيقة نابعة من أعماق قلبه الذي شهق آخر نبضاته .
سكنت روحه .. وعاد صوت وليد وحيدا يملأ الآفاق معانقا بقعة الضوء .
.....................