عبقر ستور
مقالات

الفنانة/ ميموزا العراوي (شجرةٌ من ربيعٍ أبديّ، ترسمُ الحياةَ حين تفيضُ بها) بقلم/ د. تاليا العراوي .. لبنان

مقال

صورة كافر مقال الفنانة/ ميموزا العراوي (شجرةٌ من ربيعٍ أبديّ، ترسمُ الحياةَ حين تفيضُ بها) بقلم/ د. تاليا العراوي .. لبنان

لا يمكن للمرء أن يقرأ ميموزا العراوي كفنانةٍ معزولةٍ عن سياقها الوجودي؛ فهي لم تطرق أبواب الفن عبر قاعات الأكاديميات، بل وُلدت وفي فمها ملعقةٌ من خيال، وتربت في بيتٍ تنفست جدرانه قصصاً لا تنتهي، وأنغاماً لا تصمت، وشرفاتٍ تزدانُ بأزهارٍ تبحثُ دائماً عن ضوءٍ جديد. إن ميموزا هي، في جوانب كثيرة، مزيجٌ فريد من والديها؛ فهي تحمل في روحها شغف أبيها الفنان "عجاج"، وتلك الروح المتمردة التي لا تهدأ والتي ورثتها عن والدتها "دلال."   ولم يكن إرثُ والدتها "دلال" مجرد شغفٍ باللون، بل كانت الأمانةُ أعمق؛ إذ أورثتها مِشكاةَ النقدِ الفني، لتغدو كلتاهما صوتاً لا يكتفي بمقاربةِ اللوحةِ وصفاً، بل يستنطقُ سرائرها، ويغوصُ في لُجّة الفلسفةِ المتوارية خلف ضربات الفرشاة؛ نصوصٌ تشتبكُ مع العقل وتلامسُ شغاف القلب بآنٍ واحد. لقد استحال الفنُّ في كينونة ميموزا من مجرد أداةٍ تعبيريةٍ إلى ضرورةٍ وجودية، كأنما هو النبضُ الذي لا تستقيمُ به الحياةُ إلا إذا تحوّل إلى أثر. وحين تمشي بيننا، لا يخطئُ بصيرتكَ ذاك الإحساسُ بأنّ حضورها الماديّ ما هو إلا ظلٌّ لجوهرٍ يعيشُ في أفقٍ آخر، في عالمٍ مكتظٍّ بألعابٍ ناريةٍ من الخيال. فالفنانةُ حين تطلقُ فرشاتها، إنما تؤدي طقساً وجودياً متعالياً، وتعلنُ – عبر كلِّ لمسةِ لونٍ – أنّ بقاءها على قيد الحياة ليس سوى فعلِ إبداعٍ لا ينطفئ.

لوحاتٌ تُحاكُ بالكلمات، وكلماتٌ تنبضُ باللون:

تتجاوز ميموزا حدود الفرشاة لتصل إلى رحابة الأدب؛ فهي ناقدةٌ فنيةٌ بارزة، ومؤلفةٌ لثلاثة كتبٍ تعد بمثابة "لوحاتٍ مُحاكةٍ بالكلمات". ومع بقاء عقلها مشدوداً دائماً نحو الماضي، خطت ميموزا كتابها الأول "يا لون العصفور" (دار النهار)، وهو سيرةٌ ذاتيةٌ ساحرة، لا تنفك ترسمُ فيها بالكلمة وتغرّد بالريشة، حيث الكتاب، أولاً وأخيراً، حكاية ألوانٍ تجري حواراً مع الوجود. في هذا العمل، تغوص ميموزا في دلالات الألوان؛ فالأبيض عندها يتساءل عن مصير الأشياء، والوردي يحيي بيروت العتيقة قبل أن تنكسر أحلامها، بينما يمثل الأزرق فجر اليقظة، والأحمر لوعة الاحتراق، والأحمر المحتدم كنجومٍ حية. إن نثر ميموزا في "يا لون العصفور" يقترب من الشعر، ورسومها داخل الكتاب متعةٌ بصرية، حيث تحمل ريشة العصفور المحير عذوبة وعذابات التجارب والذكريات، محلقةً بنا على بساط ريحٍ أدبيٍّ رفيع.

وفي كتابها الثاني "الحجر الثالث"، تتجاوز ميموزا العراوي القالب القصصي أو الروائي التقليدي القائم على الحبكة الخطية، لتقدم لنا حكاية داخلية أو ملحمة شعورية وبصرية تصيغها عبر نصوصٍ مترابطةٍ تشبه اللوحات الفنية. تستنطق ميموزا في هذا العمل الذاكرة الأولى وعوالم الطفولة والدهشة والعهود المقطوعة التي تهمس للروح في عزلتها، وتخوض رحلةً في الباطن والمكان، محاولةً إعادة بناء العالم الخارجي من منظورٍ داخليٍّ بحت، حيث تحوّل ميموزا الأشياء والأحجار والبيوت إلى رموزٍ لحالاتٍ فلسفية. تشتغل الكاتبة على تفكيك وتركيب الأسئلة الوجودية الكبرى بعين فنانةٍ ترصد ما يغفله الآخرون، لتجعل من قصة الكتاب قصة الوعي والذاكرة والاكتشاف الذاتي. ويبرز "الحجر الثالث" كحجرٍ محوريٍّ ومهم في مسيرة بطلتها "نوارة"، التي نعود لنراها في تفاصيل أكثر عمقاً ومخيلة لا تضاهى في كتاب ميموزا الثالث الذي يحمل اسمها: "نوارة".

يُعد كتاب "نوّارة: رحلة سيدة حقل القطن " الذروة الإبداعية في مسيرة ميموزا العراوي، وهو تجربة أدبية وفنية فريدة تتقاطع فيها ملامح القصة الخيالية مع الرواية البصرية وفلسفة الفن التشكيلي. يتجاوز هذا العمل إطار السرد التقليدي، ليخلق فضاءً بصرياً متكاملاً تخاطب من خلاله ميموزا وعي اليافعين والراشدين معاً، وتنتصر فيه للدهشة الأولى، وللشعرية المهموسة، وللأسئلة الوجودية الكبرى حول الهوية واللغة. تتبع الحكاية رحلة عجائبية لفتاةٍ في الثالثة عشرة من عمرها تُدعى "نوّارة" –التي ترمز في الكتاب بخطٍ ذهبيّ يخترق الصفحات كرمزٍ لحياةٍ لا تنطفئ– من قلب الصحراء إلى رحاب البحر، برفقة شخصياتٍ رمزية ذات أبعاد صوفية وأسطورية، مثل الجمل "غيّوم" والهدهد "هادي".

وفي حديثها عن بطلتها، تقول ميموزا: "نوارة مزيج من شخصيات وأفكار عديدة؛ هي الأم، والابنة، والحبيبة، وهي من الناحية الرمزية أمّ النشيد العربي، وترمز إلى نجاتها ونجاة الثقافة المنبثقة عنها من تيار العولمة .لقد استغرق العمل على هذا الكتاب) الذي خُطّت كلماته بينما كانت زهراتُ قطنٍ أحضرتها والدتها تنحني برقةٍ لتطلّ من بين السطور، وكأنها تراقبُ ولادة 'نوارة' سيدة حقل القطن وهي تتشكلُ في صفحاته (ثماني سنواتٍ من الجهد التقني والفني المرهق. تداخلت فيه الكلمات مع اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية والخطوط الغرافيكية في نسيجٍ بصريٍّ واحدٍ مستوحى من تاريخ الزخارف في خمس دولٍ عربية. ولم يكن هذا التداخل مجرد خيارٍ فني، بل كان إيماناً من الكاتبة بضرورة الانتصار للغة العربية؛ إذ ترفض العراوي ترجمة أعمالها إلى لغاتٍ أجنبية قبل العربية، مؤكدةً: "أن تظهر في المرة الأولى بلغة غير العربية هو نوع من الخبث الذي أرفضه رفضاً قاطعاً".

لقد ولدت "نوّارة" كصرخةٍ ضد الهوان العربي، وهي رحلةٌ عاطفية تقوم بها أنثى تجمع بين المراهقة والنضج، متسلحةً بحدسٍ مدموغ بالقدرية لتتحدى أوجاعها. وكما أشارت العراوي في بيانها الفني، فإن هذا العمل يمثل تتويجاً لممارستها الفنية التي جمعت بين النقد والتشكيل والكتابة؛ فهي تجربةٌ نابعةٌ من ذواتها التي تراكمت فيها الخبرات منذ الطفولة. وقد رافق إطلاق الرواية معرضٌ للوحاتها المستوحاة من فصول الكتاب، وعرضٌ لفيلمٍ تحريكيٍّ قصير يمدُّ جسراً بصرياً بين عالم الباطن والواقع، في محاولةٍ لتأكيد القيمة الحضارية للثقافة العربية في مواجهة التهميش، واختيار المستقبل الأفضل عبر الذاكرة.

في قلب المرسم: حيث تُولد الجداريات:
 
يظل مرسم ميموزا القلب النابض الذي يضبط إيقاع فنها المتدفق؛ ففيه تتحول الألوان الزيتية إلى كياناتٍ حية، وتتنفسُ اللوحاتُ بين أحجامٍ صغيرةٍ حميمية، وما يُعرف بـ 'الجداريات' الضخمة التي تحمل ثقل رؤيتها الفنية. ليس المرسم مجرد مساحةٍ للرسم، بل هو 'كتابٌ من الكنوز' المنسية؛ ففي كل زاويةٍ منه، يكمن شيءٌ أبى أن ينحني لقوانين الزمن، أو يذعن لسطوة الفناء، حاملاً معه عبق عصورٍ غابرةٍ ترفضُ أن تكبر أو تشيخ.

بمجرد أن تطأ قدماك عتبة هذا الفضاء، يتسلل عبق ألوان الزيت ليتغلغل في أنفاسك، فيستقر في رئتيكَ ويأخذك في رحلةٍ مباغتةٍ إلى بلاد العجائب، حيث تتلاشى حدود المألوف. إنه مكانٌ يتحدى الخيال، حيث تتكدسُ الأشياءُ كحكاياتٍ صامتة، وتنتظرُ ريشةَ ميموزا لتنفخ فيها من روحها. في هذا الملاذ، تعيش ميموزا صراعاً شاعرياً مع قسوة الزيت ورقة القماش، حيث تفرضُ الجداريات حضورها الطاغي كفعلٍ فنيٍّ يتطلبُ زمناً متمهلاً، ومواجهةً ماديةً مباشرة مع السطح، لتستحضر من خلالها كل ما رُفض أن يندثر، محوّلةً ثقل الرؤية إلى مساحاتٍ بصريةٍ مدهشة تفيضُ بالحياة.

هل كانت غرفة الطعام هي المهد الأول الذي انطلقت منه شرارة الحكاية؟ كلا، فالحكاية أقدمُ وأعمق؛ إنها تعودُ إلى تلك الأيام الموغلة في براءة المرحلة الابتدائية، حيث كانت ميموزا تجلسُ على مقعدها الدراسي، محاصرةً ببرودِ الأرقام وجفافِ معادلاتِ الحساب، لتجد في هوامش كراستها ملاذاً للهروب. هناك، وسط برودة وجفاف'التفاضل والتكامل'، تمرّدت ريشتها لتخطّ جزرةً بريئةً بفيضٍ من خيال، لم تكن مجرد رسمٍ عابر، بل كانت صرخةَ تمردٍ ضد حدود الواقع الضيقة. غضبت معلمتها، وفي لحظةٍ من القسوةِ التي لا تدركُ عواقبها، طوّقت عنق الطفلة بجزرةٍ حقيقيةٍ لتكون لها علامةَ 'خجلٍ' أمام الأقران في الاستراحة. لم تكن المعلمة تعلمُ حينها أنها، بقرارها ذلك، لم تكن تعاقبُ تلميذة، بل كانت تضعُ الحجر الأساس لفنانةٍ ستجعل من التمردِ منهجاً، ومن اللونِ ملاذاً أبدياً.

تلك الجزرة المُعلقة لم تكن نهاية القصة، بل بدايةَ انحيازها للجمال؛ إذ توالت بعدها كراسات الرسم التي كانت تجودُ بها يدُ والدتها، مصحوبةً بأقلامٍ ملونةٍ كانت بمثابة عصيٍّ سحريةٍ تفتحُ لها بواباتِ عوالم أخرى. وهكذا، وُلدت الرسامةُ من رحمِ التحدي. ومع مرور السنين، لم تعد مساحة الورق تكفي، فامتدّ طموحها ليغزو أرجاء البيت؛ كانت غرفة الطعام تحديداً هي المختبر الصاخب، حيث تناثرت علبُ الأصباغ والفرش على الموائد كأسرابٍ من النوارسِ البيضاءِ الحائرةِ على سطحِ بحيرةٍ تغفو في سكونٍ مريب، وتضطربُ في آنٍ واحدٍ بفوضى الخلاّقين، لتصبح البيتَ ومكانهُ كأنما هما نبضٌ واحد.

في لوحات ميموزا العراوي، تذوب الألوان في تماهٍ فريدٍ لا يشي بمدارس الفن التقليدية، بل يفرضُ لغةً بصريةً وليدة تجربتها الخاصة؛ إذ تتجلى في أعمالها أبعاد سيميائية وفلسفية عميقة تتحول معها اللوحة من مجرد تمثيلٍ بصري لحكاية إلى فضاءٍ تأملي يفكك مفاهيم الذاكرة والهوية من خلال تكنيكٍ بصريّ محكم. يظهر ذلك بوضوح في دراماتيكية الكتلة والفراغ، حيث توازن الفنانة بدقة بين المساحات المزدحمة بالزخارف التي تحاكي تعقيد التراث، وبين الفراغات الحالمة التي تعكس صراع الإنسان المستمر بين الانتماء والتحرر. كما تفكك البنية الخطية للزمن والمكان عبر استخدام عناصر رمزية كالساعات الذائبة والكراسي المتحركة في فضاءات سابحة، لتؤسس لزمنٍ نفسي يتسع ويضيق وفقاً لتقلبات الحنين والاغتراب.

نها 'أبجديةٌ' تشكلت في أمسياتِ الطفولة الهادئة، حين كان والدها يجلس في الشرفة، يروي لها حكايات هانس كريستيان أندرسون، مضيفاً إليها من فيضِ خياله ما يمنحها سحراً مضاعفاً. تسللت تلك القصص لتعيش في لاوعيها، وتتجلى على القماش في تجسيداتٍ متناقضة؛ فتارةً يطلُّ 'بابا نويل' بوجهه المألوف، ليقابله في عملٍ آخر رفضٌ قاطع: 'أنا لا أؤمن بسانتا'، وتارةً يقفُ 'بائع الفجل' متباهياً بجمالِ فجله العربي، بينما يصرخُ عنوان اللوحة: 'أنا لستُ بائعاً للفجل!'. وفي هذا المسار البصري المشحون بالعاطفة، حضرت لوحة 'رحيل البطة الزرقاء' كشاهدٍ على رقة قلب الفنانة؛ فذلك العنوان الذي اختارته للوحة، سرعان ما استبدلته بعد أن رأت دموع أختها الصغرى التي غلبها الحزن أمام مشهد البطة الراحلة، لتدرك ميموزا حينها أن الفن—وإن كان تمرداً—يظل في جوهره جسراً هشاً يربط مشاعرنا ببعضها.

تتجلى في أعمالها 'سيدات أحلامها'، حيث تهوي ضربات فرشاتها مباشرةً إلى قلب المشاهد؛ ضرباتٌ ولدت مكتملةً من لحظةِ تماسها الأول مع القماش، لا تتردد ولا تتراجع، كأنها ومضةُ حقيقةٍ فُرضت على العالم. ويتكامل هذا البناء الفلسفي مع معالجة مادية ولونية بالغة الثراء؛ إذ تتجاوز ضربات الفرشاة التعبيرية ومتقاطعات الوسائط المختلطة (Mix Media) حدود التلوين السطحي لتخلق طبقات ملموسة تشبه الجداريات العتيقة المعرضة لعوامل الزمن، مما يدمج بين فعل التنقيب في الذاكرة وتقنية العمل الفني ذاته. وتتوج هذه البويطيقا البصرية بتوظيف رمزي للألوان، حيث يستدعي الأصفر الترابي والذهبي دفء الصحراء وجذور التراث، بينما تضفي تدرجات الأزرق العميق والأخضر أبعاداً كونية وحالمة تدمج الأرض بالسماء، مانحةً أعمالها طابعاً حياً ينبض بالأمل وسط ركام الواقع.

وحتى في ذروة هذه الدراما البصرية) حيث ترسم بيوتاً مشوهة أو طاولاتٍ تميلُ لتفرّ من ثقل الواقع (تظل 'النممنمات' كما كانت تسميها والدتها حاضرةً كبصمةٍ سرية؛ زخارفُ دقيقة تتسلل لتشكل وشائج تربط العالم الخارجي المشوه بعالم ميموزا الداخلي المتماسك.

خلف هذه اللوحات، يقبعُ مسارٌ من التمرد وخيالٌ لا متناهٍ يكمنان في روح وعقل الطفلة ميموزا، وتجلّيا بوضوحٍ أكبر على مقاعد الدراسة الأولى؛ حين تحولت تلك الجزرة التي لا زالت ميموزا تتذكرها حتى الآن إلى شرارة غير متوقعة وحجر أساس لافتتانها الأبدي بالألوان.  وما إن توارت تلك الدفاتر الكلاسيكية العتيقة، ذات الأغلفة الحمراء الموشاة بلون البرتقال والتي توسط غلافها رسمٌ لرأس تمثال فينوس الشهير، والتي طالما حابتها بها والدتها، حتى تلتها هدايا أخرى من النبع ذاته؛ دفاتر رسم احترافية بأوراقها السميكة المتينة، ومجموعات فاخرة من أقلام التلوين المهنية المتنوعة بدرجاتها وخاماتها. ومع كل هديّة جديدة، كانت تفتح باباً جديداً، لتتتابع النوافذ ويتسّع المدى، فتنفتح أمامها عوالم رحبة تتوالد ولا تنتهي.

 ومع تصاعد السنين، لم تعد مساحة الورق تكفي؛ ففي السابعة عشرة من عمرها، ووسط ضجيج الحرب، كانت تُسارعُ لتخبئ لوحاتها تحت 'طاولة السفرة' كوديعةٍ للحياة، قبل أن تهبطَ إلى الملجأ. ظلت تلك الأعمال المخبأة هي سرُّ بقائها، والوعاء الذي حفظت فيه إيمانها بأن الحب وحده هو الذي يغيّر كل شيء، مستلهمةً على الدوام كلمات غسان كنفاني التي تتوسط مرسمها على كوب القهوة: 'قِف على ناصية الحلم وقاتل'.

 

نبض "الخربشات": حكاية الفتاة التي لا تكبر:

وفي مساحةٍ موازيةٍ تماماً، بعيداً عن صخب المرسم ومواد الرسم الكلاسيكية، تجد ميموزا نفسها حاملةً للقلم والريشة أينما كانت؛ بينما ترتشف قهوتها، وخلال ليالي الأرق الطويلة، لدرجة تحوّل معها هاتفها إلى لوحةٍ إلكترونية نابضة بالحياة، تتدفق عبرها 'خربشات ديجتالية' كإيقاعٍ عفوي يمهد لتشكل عوالم ميموزا العراوي البصرية من خلال وحدة عضوية عميقة. هذه الفتاة، التي لا تزال بلا اسم والتي لا تكبر أبداً، هي بطلة استثنائية تعمل كرسولٍ صامت ينقل أفكار الكاتبة، مشاعرها، مخاوفها، وحتى كوابيسها إلى عالم المشاهد. هذه الكربشات ليست مجرد "رسمة"، بل هي كيانٌ شعوريٌّ يولد في فضاءٍ رقميٍّ حر، حيث تكتسب الخطوط خفةً لا تدركها فرشاة الزيت، لتصبح هذه الفتاة بطلةً تسكنُ شاشات ميموزا بقدرِ ما تسكنُ خيال القارئ والمشاهد.

تتجسد في أعمالها تلك "الشخصية المركزية" المتكررة؛ فهي الأنا السردية، البورتريه الروحي الثابت الذي تتكسر على ملامحه الحالمة، وشعره البني، ونظراته الشاردة، كل تجليات الشجن، والبراءة، والاغتراب الإنساني. هذه الشخصية ليست مجرد عنصر شكلي عابر، بل هي البؤرة الوجودية التي توازن بين دراماتيكية الكتلة والفراغ، وتتحرك بسلاسة بين المساحات المزدحمة بـ 'النممنمات' (بصمة والدتها السرية) وبين الفراغات الحالمة التي تعكس صراع الإنسان المستمر بين الانتماء والتحرر.

ويتكامل هذا التجسيد الروحي مع بناء فني وفلسفي متين يفكك البنية الخطية للزمن والمكان، مستخدماً عناصر رمزية كالساعات الذائبة والكراسي المتحركة والفضاءات السابحة لتعكس زمناً نفسياً يتسع ويضيق وفقاً لتقلبات الحنين. وعلاوة على ذلك، تتجاوز المعالجة المادية واللونية حدود التلوين السطحي؛ حيث تخلق ضربات الفرشاة التعبيرية وتقنيات الوسائط المختلطة طبقات ملموسة تشبه الجداريات العتيقة المعرضة لعوامل الزمن. تتوج هذه البويطيقا بتوظيف رمزي للألوان يدمج دفء الصحراء وجذور التراث مع أبعاد كونية وحالمة، مانحاً أعمالها طابعاً حياً ينبض بالشعر البصري والأمل وسط ركام الواقع.

فنٌّ يغزلُ المقاومة من خيوط العزلة المليئة بالناس:

في عالم ميموزا العراوي، يغدو الفنُّ ترياقاً للوجود؛ ففي تأملاتها الشخصية العميقة التي دونتها خلال عزلة عام 2020 تحت عنوان "أنا الآن، منذ اليوم، غيري"، تكشف عن صراعها مع "الملل الوجودي" الذي تروضه عبر خيالاتها، محولةً العزلة من انطواءٍ قسري إلى "برزخٍ ربيعي" يحمي روحها من ضحالة العالم. إنها الفنانة التي تشبه في صمودها شجرتها؛ عناقيدُها قطنيةٌ هشّة، لكنها مضيئةٌ بأحلامٍ ربيعيةٍ لا تعرف الذبول، حتى وإن غرق العالم من حولها في صراعاته. فكما أن شجرة الميموزا لا تمنحُ ألقها إلا مرةً واحدة في الربيع، وُلدت ميموزا هي الأخرى في قلب هذا الفصل؛ وكأنّ القدر قد صاغها من نبضِ هذا التوقيت الخصيب. وكما تتميز الشجرة بأوراقها الحساسة التي تنكمشُ بلمسةٍ رقيقةٍ لتعلن عن حيائها أو دفاعها الصامت أمام العالم، تمتلك ميموزا ذات الحساسية المفرطة؛ فهي في جوهرها كائنٌ شفاف، يتأثر بأصغر نداءات الروح، ويرتجفُ أمام قسوة المادة. غير أن هذا الانكماش لا يعني الانكسار، بل هو 'يقظةُ فنانة'؛ فمثلما تنتظر الشجرةُ ذروة الضياء لتعيد بسط أغصانها وتكتسي بزهورها الصفراء المتوهجة، تعيد ميموزا دائماً بسط خيالاتها في وجه التهميش، لتزهر في ذروة العزلة، وتستحيلُ إلى شجرةٍ وارفةٍ لا تعرف الذبول، متجذرةً في تربةِ الحكاية، ومشرعةً أبداً لربيعٍ لا يغادرها.

تستحضر ميموزا في أعمالها روح ماركيز، مؤمنةً بأننا "مخترعو خرافات" نملك القدرة على صياغة قصةٍ بديلة للحياة؛ فالفن عندها ليس نقلاً لما تراه العين، بل هو فعلُ مقاومةٍ ضد زوال اللحظة، وتأملٌ صوفيٌّ يتقاطع مع تبصرات وديع سعادة حول الصمت والعبور. هي تلك الروح التي تحوّل الحزن إلى سكرٍ ينساب في شرايين الحياة، وتنتصرُ للجمال في أشد لحظات العيش عنفاً أو صمتاً.

وبين دقة "الخربشات الديجيتالية" التي تمنح بطلتها الخلود، وثقل "الجداريات" التي تحفر في الذاكرة، تترك ميموزا أثراً يتجاوز حدود القماش؛ أثراً يسكنُ ذاكرة كل من يلمح في لوحاتها تلك الفتاة الصغيرة التي لا تكبر، أو يقرأ في كلماتها ذلك الربيع الذي يرفضُ الرحيل. إنها فنانةٌ تحمل في ذاكرتها جرح الحكاية ووهج المقاومة، لتقدم سرديةً مرئية لروحٍ أبت أن تظلَّ أسيرةً للزمان، أو المكان، أو نفاق هذا العالم.

 .....................................